روايَةُ “شقائقُ الشّيطان” لنعمان الحبّاسي: الأضحوكة الكبرى أو إذا نزل القضاء ضاق الفضاء.

https://drive.google.com/file/d/10bc1iVc4XD917HsJziZ4MErsGZVa2dJl/view?fbclid=IwAR17YWL9sYKdjkLcq6IbNp-rbaq3Gd-pfifMBFakE11IplX8T_0k0ZLJ7QI

د تكون جملة من قبيل “هذه الرّواية تضاهي سدّ محمود المسعدي” مجازفة غير محمودة العواقب ومغامرة تأويلية محفوفة بالمخاطر، ففيها “تجاسر” على كهنوت النّقد و”قداسة” النّصوص من جهة، ومن جهة ثانية قد تكون مثل هذه الجملة “توريطا” للكاتب في متاهات هو في غنى عنها، لكن رواية “شقائق الشيطان” لكاتبها نعمان الحبّاسي والصادرة مؤخرا عن دار ميّارة للنشر والتوزيع، تتحرّك في هذه المنطقة السّرديّة الملغومة، والتي ظلّت بعيدة المُنى منذ صدور مسرحيّة/رواية السدّ لمحمود المسعدي أول مرة سنة 1955، لا تشابه أو استنساخ أو تقليد، وإنّما تجديد وتمرّد وتأسيس، فهذا النصّ الفاتحة لنعمان الحبّاسي يقطع مع ما سبق من نصوص المدوّنة الروائيّة التونسيّة الحديثة، ويأخذ أفقا مغايرا عندما يضعنا الكاتب أمام “رواية حالمة واهمة، مبدئيّة الموضوع مركّبة الصّورة تبحث في دواخلنا، ربّما عن نقصنا أو كمالنا، لا منهج ولا أساليب في تطبيقها، إنّما هي وحدة مجزّأة متكاملة تنفر من الواقع وتستجدي الحلم والوهم. كلماتها عابرة، سيّئة التعبير، غِلْظة المشهد سليل الوجع”. بين الواقعيّ والسّحريّ، المعنى واللاّمعنى، الوجوديّ والعدميّ، وبين الكتابة والمحو “تتهادى” شقائق الشيطان مثل كتاب الحياة: “واقعها خيال وخيالها حقيقة، وحقيقتها مسار تجربة وتجريب”، حيث تتناصّ الفلسفات والرّؤى الوجودية وتتقاطع المرجعيّات والسياقات على مدار الفصول الستة: “اللّعنة، نزلاء القفار، العبث، مطامع الغفران، شطرنج الحياة، الدّائرة”، وهي تبني عوالمها اللّغوية وتفتح مسارب التأويل، بل هي تضعنا في قلب صراع التأويلات وهي ترجّ -مثل رجة بول ريكور- قناعاتنا وسكينتنا وتنقلنا إلى مدارات الذات المعذّبة والمؤرّقة بهاجس السؤال والمعنى… بهاجس أسطورة نهاية التّاريخ…  ولئن استنجد الكاتب نعمان الحباسي بكتاب “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” لفرانسيس فوكوياما، حاضنا أو “مؤطّرا” لرحلة اليأس ل”شخوصه” بين الجثث والجوع والعدم، فإن روايته، وهي تكتب “نبتة الحياة” -تلك التي أكلها جلجامش- ترمي بظلالها بعيدا في لجّة الأسطورة، وتستثمر مناخاتها الميثولوجية بما يؤججّ أفق التّخييل والبناء السرديّ، وكأن الكاتب نعمان الحبّاسي يذكّرنا من خلال هذا النصّ أن المجتمعات الاستهلاكية ذات البعد الواحد، لا خيار لها، أمام خساراتها ونكساتها، غير الرجوع إلى الأساطير لتؤسس إيديولوجية التفوق، وتصنع من فكرة النهاية لحـظة الولادة الجديدة، فرواية نعمان الحباسي تستجلب التأويلات الممكنة لأسطورة نهاية التّاريخ، من أفلاطون الذي يرى نهاية التاريخ في انتصار المثال على الشبح والفكرة على المادة والخير على الشر، وأرسطو الذي يراه في أنْسنة الأمم المتوحشة على قاعدة القوة والفعل، والفارابي حيث تقوم مدينة الأخيار على مدينة الأشرار، أو هيجل حيث الأنا المتفوق بالعقل، وكارل غوستاف يونغ في تمثلات اللاشعور الجمعي، وجورج سوريل في تمثلات الوعي الإنساني وكلود ليفي شتراوس في البنية التاريخية واللاتاريخية… وغيرها من القراءات والتأويلات التي لا يلقيها الكاتب اعتباطا في نصّه وإنما يكتشفها القارئ من خلال خطاب التقريض المسترسل منذ بداية الرواية إلى نهايتها، والذي يشرّح فيه الكاتب جثّة الزمن وجثّة الإنسان وجثة أثره… حيث “عدم المبنى وعقم المعنى وسقم المنفى”. يضعنا الكاتب في مناخات عجائبية منذ البداية حيث “انتفى الزمان والمكان… لا شمس ولا قمر ولا نجوم ولا ماء ولا هواء، لا ظلام ولا نور”… ويوغل في هذا الإطار الفانتاستيكي المافوق طبيعي فيه “غاب الخير والشر، وتاه الجمال والقبح وسط أنهار الدم. لا حب بعد هذا الفناء، ولا كره بعد دوي نهاية التاريخ الذي وصل مداه أرجاء الكون وأطراف المعمورة”، ولذلك يضعنا الكاتب أمام حيرة: أنحن أمام رؤى حاضر مُنْتَهٍ أم أمام صورة المستقبل؟ بل هو يمعن في حيرتنا عندما يتّخذ من “نقطتين” و”خيال” “شخصيات” تنجو من دمار القرية المنكوبة والمعجونة بخليط عجيب من البشر، وما النقطتان النّاجيتان من بين جميع مخلوقات الكون )القرية/الكون(، طائر الوقواق والقرَوْدحُ، سوى رفيقيْ الرحلة العجيبة التي سيقودنا فيها الكاتب على مدار الفصول الستة للرواية، وما الأسطورة إلاّ فتنةُ العجيب والغريب في الحلّ والترحال، ولذلك، وأمام “انعدام المكان، والعدم واللاشيء لا يجد الرفيقان بُدًّا من أكل لحم البشر في ذلك الزمن، لعلّهما يظفران ببعض حياة”، وان كانت الأساطير، بل الوقائع، تخبرنا عن تاريخ آكلي لحم البشر cannibalisme، فإن الكاتب في روايته يحيلنا على هذا الزمن القائم على افتراس البشر لذوات البشر، افتراس المنتصرين للمهزومين، وما هذا الافتراس الآدميّ إلاّ شكل من أشكال نهاية التاريخ، بل هو افتراس متواصل منذ “التفاحة والانفجار الأعظم والنشوء والارتقاء والعصور الغابرة والمشاعية وجدل الإنسان…”، فهذه الإحالات على محاولات فهم البدايات إنما هي الأخرى طقسا من طقوس الإفناء ولذلك ينبّهنا الكاتب إلى عدم التّسرّع أمام الدّاء والدّواء: “أيّهما داء وأيهما دواء أبْشَرَة الإنسانية أو أنْسنة البشرية: ليس لنا إلا تأمّل البشر وعدم إطلاق الأحكام على الإنسانية”.  والسّارد في شقائق النّعمان متحكّم في “الخيال”، الخيال بوصفه “شخصيّة” من شخصيات الكاتب والذي لا يكتفي باقتفاء أثر طائر الوقواق والقرودح، قرد الجيلادا أو بابون القلادة، بل هو، أي الخيال، الرفيق الملازم للرّحالتين، رفيقا الطريق، والعالم بدقائق اللامكان واللازمان اللّذين يتحرّكان فيهما، بل هو القادح لما يعتمل في داخل كلّ واحد منهما من أفكار ورؤى ووجهات نظر في ما سيعترضهما فوق الأرض وتحت السّماء، ومن وراء ذلك يبحث هذا الخيال بدوره عن عنوان لوجوده في هذا الخضمّ المتلاطم، فهو الآخر مشتّت الحضور، بين حب المعرفة أو مجرّد التطفّل أو أمل في النّجاة، لكنّه أيضا يتدخّل بين الحين والحين في إشارات توجيهيّة، ليفسح المجال للصّوتين يتناوبان في أمر خراب الشأن العام وحياة الإنسان التي أفضت إلى “الأضحوكة الكبرى”، إذ لا مناص من معادلة الأمل والانتحار، فهلامية الإنسان، مثلما نطالع في الرواية، “من هلامية معرفته: سطحية، شفّافة، قابلة للانكسار والاندثار حدّ صاحبها”. وهذه الهلامية هي أكثر حدّة في بلداننا العربية، “فنواقيس الانقلابات تدقّ، وصافرات الجوع تنذر وتحذّر، وطبول الحرب صوتها مرعب مقبل على هتكنا”. والكاتب لا يتدرّج في نصّه من العام إلى الخاصّ فالأشدّ خصوصية، بل هو يراوح، على ألسِنة شخصياته، في تشريح الفعل الإنساني تماما مثلما يشرح العالم الجثث، بل هو فعلا كذلك يحدّق بعين مجهرية لماهية الإنسان، في مستوياته الثلاثة، بعد أن صنّف السّاسة والسّياسيين “سلالة جرثوميّة لا تعدو أن تكون وباء للبشريّة بكل انكساراتها وبكل قيودها”، وجعلت قتامة المشهد جزءا من ذاتنا في زمن غير مستوٍ تساوى فيه العلمانيّون والمتديّنون، ولا يتخلّى السّارد عن أسلوبه التّوليدي للعجيب والغريب في ما يعترض الرفيقين، فبعد أحجية الخرّوبة اليابسة التي عُلّقت على أغصانها قضبان طريّة وفروج يبست ومن تحتها تنّين عيناه من نار وفمه سيف حادّ، ينقلنا الكاتب إلى ما ارتبط بزهرة شقائق النعمان بأسطورة تمّوز عند البابليين تلك التي نبتت من دم أدونيس وأخذت لونها منه بعد أن قتلته الوحوش الضّارية رغم نصائح عشتار له، وفي رواية نعمان الحباسي تنبت جثّتان بدل شقائق النعمان، جثة سياسيّ متكرّش وجثة امرأة “حسناء لم يتمكّن منها الدّود”، وبالتقدم في السّرد تنبت من بقايا جثة المرأة، وتحديدا من ساقها، أغصان متلألئة كالأمل وأثمرت عناوينَ كتب خالدة مثل “رسالة الغفران والكوميديا الإلهية والحيوان والبيان والتبيين والأدب الصغير وفن الشعر ونقد العقل وجماليات المكان ودروس في اللسانيات العامة والأخلاق”… فينتقل القارئ بسلاسة بين ضفتين من الحكي، وبين حالتين من الشعور، الفرح والحزن يتناوبان على القرودح وطائر الوقواق، ليعلو نشيدهما عاليا مختلطا بإيقاع الضّباع التي زعفت جثث البشر… و”أعفان أرذال الأجساد”، ويمنح الكاتب في هذا الخضمّ العجيب والغريب، القارئ ما يلزمه من الإشارات العرفانية كأنّها فوانيس تضيء عتمة الطّريق، حيث تتوالى الإحالات الفلسفية والميثولوجية والأدبية والكتب السماوية، ولئن أشار الكاتب إلى الإحالات التي أوردها على هامش المتن، وأكثرها من القرآن، فإن اللغة التي يكتب بها هذه الرّحلة مشتقّة بذكاء وبانتقاء شديد من الإحالات ذاتها، وهي لغة لا تكتفي بمفرداتها الظاهرية، بل هي تتجلى في إيقاعها الدّاخلي وفي التناغم والتناسق في التّراكيب وأجراسها التي تعلو وتخفت في انسجام مع تحوّل مستويات السّرد، ودون أن تتخلّى عن نسقها وجاذبيتها… لغة لتجميل هذا الواقع والسّموّ به عن قبح المشهد. يقترب بنا الكاتب بطريقة سلسة نحو مبتغاه، زمن المسوخ الثوري، الزمن الذي “تكوّنت فيه العصابات، ورفعت الشّعارات، وفتحت منافذ الفتاوي والتّنجيم، سَبَحت فيه قوانيننا ودساتيرنا حدّ الغرق ولم يَطْفُ منها سوى هياكل الخطيئة”، يقترب بنا من المدارات الرئيسيّة، من قلب الرّحى، ويضعنا في زمننا أو تحديدا أمام “صورة موجعة عن حاضر دون مستقبل وعن ماضٍ ولّى ومضى”، زمن تجذّر الخراب والخيانات العظمى حيث “الرفيق خان، وجبن، وتخلّى عن دروب الرحلة، وفرّ من متعة الصحبة”، ويظلّ الكاتب في هذا المستوى محافظا على نسق السرد، فلا ينزل من عليائه -مثلما أنزل الخيال إلى الواقع- إلى زمن معلوم ومكان معلوم وشخصيّات معلومة وأحداث معلومة، إنّما يستمر نعمان الحبّاسي في تأثيث نصّه/رحلته بالإشارات والإحالات المدسوسة في اللغة، ومنها يصوّر كيف تخلق الدول أزماتها الكبرى وتُمطر الأمم خرابا، كالمصالحة والخيانات والتوافقات والأقلام المأجورة والإرهاب وتطويع الرؤى وإخماد النضالات وحربائيّة المنظومة وعن شيخ الحيلة والحياة وراكبي الثورات وصانعي الحكام ومفتعلي الأزمات، سياسة القمع وأدوات الرقابة وأجندات الخارج والتكفير وعالم المال الفاسد… مجملا هذا المسار المستمرّ في ترنّحه إذ يقول: “وواصلنا نشازنا مخدوعين لعزفنا وغنائنا على أنّه سمفونية متناغمة”، بل إن الصورة العجائبية اللاحقة التي ستعترض الرفيقين في رحلتهما، بعد أن يغيب دبيب الأفاعي الهاربة، أنصع مثال على مآلات هذا الزمن الثوري المسوخ، حيث يجد القرودح وطائر الوقواق نفسيهما في “بستان مليء بكل الخيرات التي رأياها سابقا في الحياة الأولى”، لكنّ جوعهما غير المسبوق سيتفاقم فالمرأة التي كانت ترضع ابنها تحت نخلة باسقة “أمرت خيرات البستان بالتحوّل إلى أسلاك وأشواك فاستجابت واستجاب معها المنبع الذي صيّر ماءه قيحا كريه الرائحة”. إن هذه الصورة لوحدها كفيلة بتوصيف حالة الخراب المعمّم، بل إن هذه المرأة، بوصفها إحالة على الوطن، تصرخ في وجهيْ الرفيقين/في وجوهنا نحن: “إيماني منكم وسخطي منكم، عزتي وأنفتي أولدتموها من نفوسكم، وذلي وقبح فعلي نما من دواخلكم”… “ليست كل الحروب عادلة ولكن حربنا لازمة”، “ضوؤهم آفل وظلّهم زائل”، يعلو هذا الصوت مرتفعا في رواية نعمان الحباسي في وجه شقائق الشيطان النّابتة من الأرض البور الممتدة على غلاف الكتاب، وعلى كامل درب بلا ملامح كأنه العدم، وهي ليست حيلة يسعف بها الخيال السارد لتتواصل الحكاية ويستمرّ التجريب، بل هي الأغنية التي تتوقف نغماتها أمام العناق الذي ينتهي بالانصهار والحلول بين شقيقة للنعمان وأخرى للشّيطان… فنهاية التاريخ والإنسان الأخير ليست سوى مقطعٍ من أغنية أبدية الإنشاد، تخفت في عالم مليء بالحقد والكره، وتعلو في حضرة الحب والتّسامح “حيث يُصان الكتاب وتهتز النّفوس لترانيم العود، وتركع الحشود أمام خشبة المسرح”… وحيث تؤخذ الدنيا غلابا…

تم عمل هذا الموقع بواسطة